تعتصرني الفوضى التي في داخل ذاتي والغموض الذي في كلماتي وفي شجون أدرك مَن أكون ، أكادُ أعرف قيمة الأشياء التي أجهلها والصور الحزينة جداً التي لا زلتُ أذكرها منذ انقطاع المطر الأخير ، أتناول أول قلم تلمحه عيناي ، أفتّش عن ورق بُنيّ اللون ومسطرة لأتوهَ بينَ نقاطِ الحبرِ على الصفحات البُنيّة ، أكتبُ كالنقشِ الساكنِ فيَّ ، أناشيدَ أراها وأحاولُ أن أهربَ كالنسرِ من الظلماتِ إلى قدرٍ أواجهُ نفسي بينَ شظاياه وأعانقُ طيفاً لازمني آلاف اللحظات .
ليتَ هذا الكونَ مرآةً لأمنحها ورودَ الكونِ ، أحملها على كتفيَّ ، ألقيها وأكسرها ليهجرَها أريجُ النايِ متجها إلى الأعلى ، هنالكَ حيثما كانوا ، أهنّئهم بأني لستُ أنساهُم وفي قلبي ستبقى نايُ ذاكرتي تغني للذي في القلبِ يسكُنَ للأبَد .
على مرأىً مِن اللحظات، أسوّي صيغةَ الوقتِ لكي أحظى بكلّ الوَقت، أغنّي كأني أجهلُ ثورة الصوتِ لديّ، أغني كي أحبَّ كما أحبّ وأشتاق إلى لونٍ تضلُ فيهِ الأمنياتُ خيالاً دائرياً أو يصير الواقعَ أبيضَ كالغيومِ المستبدة.
أحبُّ يا صغيرتي لو تكون الأيام أطول كي أصوّرَ ذكرياتي التي أكتبها وأستطيعُ أن أغيِّر أقداري القاسيَة فأبدد ضعفي الآدمي بقوةٍ أكبر من أي شيء .
أحبّ يا صغيرتي لو أستطيعَ أن أفكّر بصورةٍ أكثر واقعيّة فتصبح أحلامي الجميلة واقعاً وخيالي الخصب حقيقةً وأرى الذينَ أحبّهم كما أتصوّرهم فأحضنهم وأدنو مثلما الملهوف بعد فراقهم منهم وأصبو للقاء مجددا ومجدداً أحاولُ أن أعودَ لكي أراهُم أكثر قوّة وجمالاً وسعادةً .
تفضحني ابتسامتي عندما أتذكّر كلماتكِ التي جاءَتني بعد طولِ انتظار فلا أضطرُ أن أشرحَ موقفي لأنَّ الذي في داخلي مرسومٌ على الأوراق ، تفضحني عينايَ عندما أحرّكِ معصمي بحثاً عَن ورقٍ مُزيَّنٍ ومرصعٍ ومليء بالورود فلا أضطر أن أشرحَ موقفي أبداً . نقطة ضعفي أنني أقوى مما أنا عليه ومصدر قوّتي هو الصمتُ الساكنُ داخلي ، لا عبور إلى هُنا فهنا أعيشُ طويلاً ولا أحَد يستطيعُ تحمل الحياةِ إلى الأبَد .
مُشكلتي أنني أفشلُ في التعبيرِ بالصراحة عمّا يدور في خاطري ، أحاولُ أن أهربَ مرتين فأسقط مرتين ومرتينِ أرتمي بينَ أحلامي فأحلمَ مرتين ومرتين أفشلُ في تحقيق هذه الأحلام ، يا ليتَ لي حلماً جميلاً واحداً أدعوه أن يأتي على عجلٍ فيَصدقُني المجيء إلى الحقيقة ، يا ليتني أبقى طويلاً داخلَ الأحلامِ أو أبقى طليقاً بينَ أجنحة الحقيقةِ للأبد فلا أحد يمكنهُ مواجهةُ الواقع بدون أن ينسى أن للأحلام يوماً آخر .
أميرتي ، اصبري عليّ كثيراً فشغفي بمعرفة الأشياء يشغلني عَن صناعةِ الكلمات فمهما كانت الظروف التي أكتبُ بها أحسّ أنني مقيّد بالغدِ الذي يجمعني بتفانٍ مع الأمل الذي أحاول أن أصنعهُ بنفسي ، أملٌ بامتلاكِ الطبيعة وشغفٌ بالمعرفة ، أكتبُ دائما كأنني أكتبُ للمرةِ الأولى على أملٍ بأن أحظى بكلّ المعرفة لأنني أجهل كلّ من يحبني أحبُّ أن أعرفَ ولو فرداً واحداً منهُم برونقهِ وصفاءهِ وبهجة قلبهِ ، أراهُ في حبّهِ وصمتهِ وجمالهِ وفي فوضاه ، هكذا نحنُ خُلقنا ، خُلقنا لكي نعيشَ حقيقتنا وليس كي نختفي بينَ شظايا أوهامنا التي نخالها أحلام .
أتمنّى أن تكونَ أيّامنا معاً جميلةً وهادئةً ، أفسّرها كجنةٍ بيضاء نحضنها فتحضننا وطيفٍ كالشتاء إذا أتى سريعاً بالبردِ والغيومِ والأمطار واخضوضرت من أجلهِ الأرضُ الدفينة بينَ معطفها وُلِدنا للتوِّ من جديد وبينما الجميعُ عاجزون والوجودُ لا يزال محنطاً بزيّهِ القديم نطيرُ كالعصافيرِ الصغارِ كالحروفِ نداعبُ الشتاء في عباءة الخريف ، نحاور الزمان أن يعود وفي الوجود, نتوه من جديد ومن جديد نوّدعُ الزمان وفي أمان نُسابقُ الزمان .
أحتاجُ إليكِ كثيراً باللحظاتِ التي أذكرُ أنني لا زلتُ مضطراً على العيشِ ببطء ، أسلّمُ للهواء الطلق ساعداي وأبدأ بالخلود إلى الحنين وبلا يقين أحسبك عصفورتي الناعمة ، أحملها على يدي بحبٍ وأسقيها وأبني منزلاً في الريحِ يجمعنا وأمنحها حنيناً دافئاً وصوتاً رقيقاً ، أكتفي بآخر جملةٍ قبل أن تنامين وأعودُ للحياةِ مِن جديد . ومن جديد
"فوضى على الطرقات" "ناس أقوياء" " ضعفٌ وانحلال" "هجرٌ وزوال" "حقد وكآبة" كلّها أشياء تمنعني من الكتابة .
ليتَ هذا الكونَ المملوء بالأسرار يفضحُ أسرارهُ لكي نصير كلّنا سواسية ، يا ليتَ هذا الزمنَ المملوء بالحكايات الطويلةِ ينتهي بحكايةٍ تملؤها السعادة .