في آخر الزمان يخرج رجل من أهل البيت يؤيد الله به الدين يملك سبع سنين ، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما ، تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعمها قط، تخرج الأرض نباتها ، وتمطر السماء قطرها ، ويعطى المال بغير عد. قال ابن كثير رحمه الله : ( في زمانه تكون الثمار كثيرة والزروع غزيرة )، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم ، والعدو راغم ، والخير في أيامه دائم)ه اسمه وصفته : وهذا الرجل اسمه كاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واسم أبيه كاسم أبي النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون اسمه محمد – أو أحمد – بن عبدالله ، وهو من ذرية فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم من ولد الحسن بن علي رضي الله عنهم ، قال ابن كثير رحمه الله في المهدي (وهو محمد بن عبدالله العلوي الفاطمي الحسني رضي الله عنه ) وصفته الوارده أنه أجلى الجبهة أقنى الأنف : وذكر العلامة محمد السفاريني فيكتابه المسيح الدجال وأسرار الساعة: ورأيتني قد وصفته في كتابي البحار الزاخرةبأنه: آدم : اي أسمر ضرب من الرجال: أينحيف ممشوق مستدق ربعه : اي لا بالطويلولا بالقصير أجلى الجبهة: أي خفيف شعر النزعتينعن الصدغين وهو الذي انحسر الشعر عن جبهته أقنى الأنف: أي طويل الأنف مع دقةأرنبته أشم : أي رفيعالعرنين أزج : اي حاجبه فيه تقويس مع طول فيطرفه أو امتداده أبلج أعين أكحل العينين واسع العينبراق الثنايا أفرقها أي ليست متلاصقة، أزبل الفخذين أي منفرج الفخذين متباعدهما وفيرواية : في لسانه ثقل ، وإذا أبطأ عليه ضرب فخذه الأيسر بيده اليمنى ابن أربعين وفيرواية ما بين ثلاثين إلى أربعين مكان خروجه : يكون ظهور المهدي من قبل المشرق ، فقد جاء في الحديث عن ثوبان رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم ...... ( ثم ذكر شيئا لا أحفظه فقال : ( فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج ، فإنه خليفة الله المهدي) رواه ابن ماجه والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين ، قال ابن كثير رحمه الله ( والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة ، يقتتل عنده ليأخذوه ثلاثة من أولاد الخلفاء ، حتى يكون آخر الزمان ، فيخرج المهدي ، ويكون ظهوره من بلاد المشرق ، لا من سرداب سامراء ، كما يزعمه جهلة الرافضة من أنه موجود فيه الآن ، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان ، فإن هذا نوع من الهذيان ، وقسط كبير من الخذلان ، شديد من الشيطان ، إذ لا دليل على ذلك ولا برهان ، لا من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح ولا استحسان ) وقال أيضا يؤيد بناس من أهل المشرق ينصرونه ، ويقيمون سلطانه ، ويشيدون أركانه ، وتكون راياتهم سود أيضا ، وهو زي عليه الوقار لأن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت سوداء يقال لها العقاب ) إلى أن قال ( والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهور وخروجه من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت ، كما دل على ذلك بعض الأحاديث ) الأدلة من السنة على حقيقةالمهدي: عن الإمام علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة) رواهابن ماجه وأحمد وصحيح الجامع للألباني قال ابن كثير: ( أي : يتوب عليه ،ويلهمه ، ويرشده ، بعد أن لم يكن كذلك ) ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( المهدي مني أجلى الجبهة، أقنى الأنف ،يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ويملك سبع سنين) رواه أبو داود وقالالألباني اسناده حسن . وعن أم سلمة رضي الله عنه قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( المهدي من عترتي من ولد فاطمة ) رواهأبو داود والحاكم في المستدرك عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهماقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لن تهلك أمة أنا أولها وعيسى بن مريم فيآخرها والمهدي في وسطها) أخرجه أحمد ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماوعدوانا ، قال : ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطا وعدلا كما ملئتظلما وعدوانا ) رواه أحمد وابن حبان والحاكم ،وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال ( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليو محتى يبعث فيه رجلا مني أو من أهلي يواطئ اسمه اسمي واسم ابيه اسم أبي) رواه أبوداود والترمذي . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيصلى الله عليه وسلم قال ( يكون في أمتي المهدي إن قصر فسبع وإلا فثمان وإلا فتسعتنعم أمتي فيها نعمة لم ينعموا مثلها ترسل السماء عليهم مدرارا ولا تدخر الأرض شيئامن النبات والمال كدوس يقوم الرجل يقول: يا مهدي أعطني ، فيقول : خذ ) رواهالطبراني في الأوسط ورجاله ثقات ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم ، وإمامكم منكم( رواه البخاري ومسلم ، وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهماقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون علىالحق ظاهرين إلى يوم القيامة ) قال : ( فينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقولأميرهم : تعال صل لنا . فيقول : لا ، إن بعضكم على بعض إمراء، تكرمة الله لهذهالأمة ) رواه مسلم معنى المسيح : هذه اللفظة تطلق على الصّدّيق وعلى الضّلّيل الكذاب ، فالمسيح عيسى بن مريم عليه السلام الصديق ، والمسيح الدجال : الضليل الكذاب، فخلق الله المسيحين أحدهما ضد الآخر : فعيسى عليه السلام مسيح الهدى ، يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله . والدجال – لعنه الله – مسيح الضلالة يفتن الناس بما يعطاه من الآيان كإنزال المطر ، وإحياء الأرض بالنبات وغيرهما من الخوارق . وسمي الدجال مسيحا لأن إحدى عينيه ممسوحة ، أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يوما ، والقول الراجح هو الأول لما جاء في الحديث الذي رواه مسلم ( إن الدجال ممسوح العين ) معنى الدجال : لفظ الدجال : مأخوذ من قولهم : دجل البعير ، إذا طلاه بالقطران وغطاه به وأصل الدجل : معناه الخلط ، يقال : دجل إذا لبس وموّه والدجال : المموِّه الكذاب المُمَخرِق ، وهو من أبنية المبالغة ، على وزن فعّال ، أي يكثر منه الكذب والتلبيس ، وجمعه : دجالون ، وجمعه الإمام مالك على دجاجلة ، وهو جمع تكسير ولفظة الدجال : أصبحت علما على المسيح الأعور الكذاب ، فإذا قيل : الدجال ، فلا يتبادر إلى الذهن غيره وسمي الدجال دجالا : لأنه يغطي الحق بالباطل ، أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم ، وقيل لأنه يغطي الأمر بكثرة جموعه والله أعلم صفة الدجال: الدجال رجل من آدم ، له صفات كثيرة جاءت بها الأحاديث لتعريف الناس به ، وتحذيرهم من شره حتى إذا خرج عرفه المؤمنون فلا يفتنون به ، بل يكونون على علم بصفاته التي أخبر بها الصادق صلى الله عليه وسلم وهذه الصفات تميزه عن غيره من الناس فلا يغتر به إلا الجاهل الذي سبقت عليه الشقوة نسأل الله العافية ، ومن هذه الصفات أنه رجل ، شاب ، أحمر ، قصير ، أفحج ، جعد الرأس ، أجلى الجبهة ، عريض النحر ، ممسوح العين اليمنى ، وهذه العين ليست بناتئه ( أي ليست بارزة ) ولا جحراء ( أي ليست غائرة ) كأنها عنبة طافئة ، وعينه اليسرى عليها ظفرة غليظة ( وهي لحمة تنبت عند المآقي ) ومكتوب بين عينيه ( ك ف ر ) بالحروف المقطعة ، أو كافر بدون تقطيع ، يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب ، ومن صفاته أنه عقيم لا يولد له وهذه بعض الأحاديث التي جاء فيها ذكر صفاته السابقة ، وهي من الأدلة على ظهور الدجال عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( بينا أنا نائم أطوف بالبيت ...... ( فذكر أنه رأى عيسى بن مريم عليه السلام ثم رأى الدجال فوصفه فقال : ( فإذا رجل جسيم ، أحمر، جعد الرأس ، أعور العين ، كأن عينه عنبة طافئة ، قالوا: هذا الدجال أقرب الناس شبها به ابن قطن) رجل من خزاعة ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال ( ألا إن الله تعالى ليس بأعور ، ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة ) رواه البخاري وفي حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف الدجال ( إن مسيح الدجال رجل قصير ، أفجع ، جعد ، أعور ، مطموس العين ، ليس بناتئه ولا جحراء ، فإن ألبس عليكم ، فاعلموا أن ربكم ليس بأعور ) رواه أبو داود في السنن وهو حديث صحيح ، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأما مسيح الضلالة فإنه أعور العين ، أجلى الجبهة ، عريض النحر فيه دفأ - أي انحناء - ) رواه أحمد بإسناد صحيح ، وفي حديث حذيفة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم ( الدجال أعور العين اليسرى ، جفال الشعر – أي كثيره - ) رواه مسلم ويلاحظ في الرويات السابقة أن بعضها وصف العين اليمنى بالعور ، وبعضها العين اليسرى وكلها روايات صحيحة وهذا فيه إشكال. فذهب الحافظ ابن حجر إلى أن حديث ابن عمر الوارد في الصحيحين والذي جاء فيه وصف عينه اليمنى بالعور أرجح من رواية مسلم التي جاء فيها وصف العين اليسرى ، لأن المتفق على صحته أقوى من غيره. وذهب القاضي عياض إلى أن عيني الدجال كلتيهما معيبه ، لأن الرويات كلها صحيحة ، وتكون العين المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة- بالهمز - أي التي ذهب ضوؤها وهي العين اليمنى ، كما في حديث ابن عمر ، وتكون العين اليسرى التي عليها ظفرة غليظة وهي الطافية – بلا همز – معيبة أيضا فهو أعور العين اليمنى واليسرى معا، فكل واحدة منهما عوراء : أي معيبة . وقال النووي في هذا الجمع ( هو نهاية في الحسن ) ورجحه القرطبي ، وفي حديث أنس رضي الله عنه ، قال صلى الله عليه وسلم ( وإن بين عينيه مكتوب كافر ) رواه البخاري ، وفي رواية : ( ثم تهجاها ( ك ف ر ) ، يقرؤه كل مسلم ) رواه مسلم ، وفي رواية عن حذيقة ( يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ) رواه مسلم ، ومن صفاته أيضا ما جاء في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها في قصة الجساسة ، وفيه قال تميم رضي الله عنه ( فانطلقنا سراعا ، حتى دخلنا الدير ، فإذا فيع أعظم إنسان رأيناه قط ، وأشده وثاقا ) رواه مسلم ، وفي حديث عمران بن حصين رضي اله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال ) رواه مسلم هل ابن صياد هو الدجال الأكبر؟ اسمه هو صافي – وقيل عبدالله – بن صياد أو صائد ، كان من يهود المدينة ، وقيل من الأنصار ، وكان صغيرا عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة . وذكر ابن كثير أنه أسلم ، وكان ابنه عمارة من سادات التابعين، روى عن الإمام مالك وغيره. وترجم له الذهبي في كتابه " تجريد أسماء الصحابة " ، فقال : ( عبدالله بن صياد ، أورده ابن شاهين ، وقال : هو ابن صائد ، كان أبوه يهوديا فولد عبدالله أعور مختونا ، وهو الذي قيل أنه الدجال، ثم أسلم فهو تابعي له رؤية ) . وترجم له الحافظ ابن حجر في كتاب ( الإصابة ) فذكر ما قاله الذهبي ثم قال ( ومن ولده عمارة بن عبدالله بن صياد ، وكان من خيار المسلمين ، من أصحاب سعيد بن المسيب ، وروى عنه مالك وغيره ) ، ثم ذكر جملة من الأحاديث في شأن ابن صياد كما سيأتي ذكرها ، ثم قال( وفي الجملة لا معنى لذكر ابن صياد في الصحابة ، لأنه إن كان الدجال ، فليس بصحابي قطعا ، لأنه يموت كافرا ، وإن كان غيره فهو حال لقيه النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مسلما ) ، لكن إن أسلم بعد ذلك ، فهو تابعي له رؤية كما قال الذهبي أحواله : كان ابن صياد دجالا ، وكان يتكهن أحيانا فيصدق ويكذب ، فانتشر خبره بين الناس ، وشاع أنه الدجال ، كما سيأتي في امتحان النبي صلى الله عليه وسلم له امتحان النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد : لما شاع بين الناس أمر ابن صياد وأنه هو الدجال أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلع على أمره ويتبين حاله ، فكان يذهب إليه مختفيا حتى لا يشعر به ابن صياد رجاء أن يسمع منه شيئا وكان يوجه إليه بعض الأسئلة التي تكشف عن حقيقته . ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن عمر انطلق مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهط قِبل ابن صياد ، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أطم بن مغالة ( بناء مرتفع ) وقد قارب ابن صياد الحلم ، فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده ، ثم قال لابن صياد ( أتشهد أني رسول الله ؟ ) فنظر إليه ابن صياد ، فقال : اشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وسلم أتشهد أني رسول الله ؟ فرفضه، وقال : ( آمنت بالله وبرسله ). فقال له ( ما ترى ؟ ) قال ابن صياد : يأتيني صادق وكاذب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( خلط عليك الأمر ) ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم ( إني خبأت لك خيئا ) فقال ابن صياد : هو الدخ . فقال : ( اخسأ فلن تعدو قدرك ) . فقال عمر رضي الله عنه : دعني يا رسول الله أضرب عنقه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن يكنه ، فلن تسلط عليه وإن لم يكنه ، فلا خير لك في قتله ) وقال أبو ذر رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني إلى أمه، قال ( سلها كم حملت به ؟ ) فأتيتها ، فسألتها ، فقالت : حملت به اثني عشر شهرا . قال : ثم أرسلني إليها ، فقال : ( سلها عن صحيته حين وقع ؟ ) قال : فرجعت إليها فسألتها ، فقالت : صاح صيحة الصبي ابن شهر . ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إني قد خبأت لك خبئا ) قال : خبأت لي خطم شاة عفراء والدخان. قال : فأراد أن يقول الدخان فلم يستطع فقال : الدخ ، الدخ ) رواه أحمد وفاته: عن جابر رضي الله عنه قال : ( فقدنا ابن صياد يوم الحرة ) ، وقد صحح ابن حجر هذه الرواية ، وضعف قول من ذهب إلى أنه مات في المدينة ، وأنهم كشفوا عن وجهه ، وصلوا عليه والله أعلم رأي بعض الصحابة في ابن صياد: يتضح من امتحان النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد أن النبي كان متوقفا في أمر ابن صياد ، لأنه لم يوح إليه أنه الدجال ولا غيره ، وكان عمر رضي الله عنه يحلف عند النبي صلى الله عليه وسلم أن ابن صياد هو الدجال ، ولم ينكر عليه ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم يرى رأي عمر ، ويحلف أن ابن صياد هو الدجال ، كما ثبت ذلك عن جابر ، وابن عمر ، وأبي ذر. ففي الحديث عن محمد بن المنكدر قال : ( رأيت جابر بن عبدالله يحلف بالله إن ابن صياد هو الدجال . قلت : تحلف بالله ؟! قال : إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره النبي) رواه البخاري ، وعن نافع قال : ( كان ابن عمر يقول : والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد ) رواه أبو داود ، وعن زيد بن وهب قال : ( قال أبو ذر رضي الله عنه لأن أحلف عشر مرات أن ابن صائد هو الدجال أحب إليّ من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به ) رواه أحمد وعن نافع قال : لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة ، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها ، فقالت له : رحمك الله ! ما أردت من ابن صائد ؟! أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما يخرج من غضبة يغضبها ) . رواه مسلم ، وكان ابن صياد يسمع ما يقوله الناس فيه فيتأذى من ذلك كثيرا ، ويدافع عن نفسه بأنه ليس الدجال ، ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ( خرجنا حجاجا أو عمارا ومعنا ابن صائد . قال : فنزلنا منزلا فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه . قال : وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي . فقلت إن الحر شديد فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال : ففعل . قال : فرفعت لنا غنم فانطلق فجاء بعس ، فقال : اشرب أبا سعيد! فقلت : إن الحر شديد ، واللبن حار ، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده، أو قال : آخذ عن يده. فقال : أبا سعيد! لقد هممت أن آخذ حبلا ، فأعلقه بشجرة ، ثم أختنق مما يقول لي الناس. يا أبا سعيد! من خفي عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما خفي عليكم معشر الأنصار . ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أو ليس قد قال رسول الله : هو كافر . وأنا مسلم ؟ أو ليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عقيم لا يولد له . وقد تركت ولدي بالمدينة ؟ أو ليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل المدينة ولا مكة . وقد أقبلت من المدينة ، وأنا أريد مكة ؟ قال أبو سعيد الخدري : حتى كدت أن أعذره. ثم قال : أما والله إني لأعرفه ، وأعرف مولده ، وأين هو الآن . قال : قلت له : تبا لك سائر اليوم ) رواه مسلم ، وقال ابن صياد في رواية ( أما والله إني لأعلم الآن حيث هو وأعرف أباه وأمه. قال : وقيل له : أيسرك أنك ذاك الرجل ؟ فقال : لو عرض عليّ ما كرهت ) رواه مسلم . وقد رد النووي على حجة ابن صياد بأنه مسلم والدجال كافر ، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له ، وأنه لا يدخل مكة والمدينة وقد دخلهما ، أنه لا دلالة فيه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن هذه الصفات وقت فتنته وخروجه في الأرض حديث تميم الداري عن الدجال: عن عامر بن شراحيل الشعبي شعب همدان أنه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاكبن قيس وكانت من المهاجرات الأول فقال : حدثينيحديثا سمعتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسنديه إلى أحدغيرهفقالت لئن شئت لأفعلن فقال لها أجل حدثيني فقالتنكحت ابن المغيرة وهو منخيار شباب قريش يومئذ فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله صلى الله عليهوسلم فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف فينفر من أصحاب رسولالله صلى الله عليه وسلم وخطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم علىمولاه أسامة بن زيد وكنت قد حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أحبني فليحب أسامة فلما كلمني رسولالله صلى الله عليه وسلم قلتأمري بيدكفأنكحني من شئت فقال انتقلي إلى أم شريك وأم شريك امرأة غنيةمن الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفانفقلت سأفعل فقال لاتفعلي إن أم شريك امرأة كثيرةالضيفان فإني أكره أن يسقط عنك خمارك أوينكشف الثوبعن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبدالله بن عمرو ابن أم مكتوم وهو رجل من بني فهر فهر قريش وهو منالبطن الذي هي منه فانتقلت إليه فلماانقضت عدتي سمعت نداء المنادي منادي رسول الله صلى اللهعليه وسلم ينادي الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت في صف النساء التي تلي ظهورالقوم فلما قضى رسولالله صلى الله عليه وسلم صلاتهجلس على المنبر وهو يضحك فقال ليلزم كل إنسانمصلاه ثم قالأتدرون لم جمعتكم قالوا الله ورسوله أعلم قال إني والله ما جمعتكملرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلانصرانيا فجاء فبايعوأسلم وحدثني حديثا وافق الذي كنتأحدثكم عن مسيح الدجال حدثني أنه ركب فيسفينة بحريةمع ثلاثين رجلا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثمأرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس فجلسوا في أقربالسفينة فدخلوا الجزيرةفلقيتهم دابة أهلب كثير الشعرلا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر فقالواويلك ما أنتفقالت أنا الجساسة قالوا وما الجساسة قالت أيها القومانطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق قاللما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانة قالفانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظمإنسان رأيناهقط خلقا وأشده وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلىكعبيه بالحديد قلنا ويلك ما أنت قال قد قدرتم على خبريفأخبروني ما أنتم قالوا نحنأناس من العرب ركبنا في سفينةبحرية فصادفنا البحر حين اغتلم فلعب بناالموج شهرا ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرةفلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبرهمن كثرة الشعر فقلناويلك ما أنت فقالت أنا الجساسة قلنا وما الجساسة قالت اعمدوا إلى هذاالرجل فيالدير فإنه إلى خبركم بالأشواق فأقبلنا إليك سراعا وفزعنا منها ولمنأمنأن تكون شيطانة فقال أخبروني عن نخل بيسان قلنا عن أي شأنها تستخبر قالأسألكم عننخلها هل يثمر قلنا له نعم قال أما إنه يوشك أن لا تثمر قال أخبروني عنبحيرة الطبرية قلنا عن أي شأنها تستخبر قال هل فيها ماءقالوا هي كثيرة الماءقال أما إن ماءها يوشك أن يذهب قالأخبروني عن عين زغر قالوا عن أي شأنهاتستخبر قال هلفي العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين قلنا له نعم هي كثيرة الماءوأهلها يزرعون من مائها قال أخبروني عن نبي الأميين ما فعلقالوا قد خرج من مكة ونزل يثرب قال أقاتله العرب قلنا نعم قال كيف صنع بهم فأخبرناه أنهقد ظهر على منيليه من العرب وأطاعوه قال لهم قد كان ذلك قلنا نعم قال أما إنذاك خير لهم أن يطيعوه وإني مخبركم عني إني أنا المسيح وإني أوشك أن يؤذن ليفي الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلاأدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمتان علي كلتاهما كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهمااستقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها وإن على كل نقب منها ملائكةيحرسونها) قالت : قال رسول الله صلىالله عليه وسلم- وطعن بمخصرته في المنبر - ( هذه طيبة ، هذه طيبة ، هذه طيبة - يعنيالمدينة - ألا هل كنت حدثتكم ذلك ؟ ) فقال الناس : نعم. ( فإنه أعجبني حديث تميمأنه وافق الذي أحدثكم عنه ، وعن المدينة ومكة ، ألا إنه في بحر الشام ، أو بحراليمن ، لا بل من قبل المشرق ماهو ، من قبل المشرق ماهو ، من قبل المشرق ماهو ( وأومأ بيده إلى المشرق ) قالت: فحفظت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواهمسلم أقوال العلماء في ابن صياد : قال القرطبي ( الصحيح أن ابن صياد هو الدجال بدلالة ما تقدم ، وما يبعد أن يكون بالجزيرة في ذلك الوقت ، ويكون بين أظهر الصحابة في وقت آخر ) – التذكرة وقال النووي ( ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكاذبين قوله للنبي صلى الله عليه وسلم : أتشهد أني رسول الله ؟! ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب ، وأنه يرى عرشا فوق الماء ، وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال ، وأنه يعرف موضعه ، وقوله : إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن ، وانتفاخه حتى ملأ السكة . وأما اظهاره الإسلام وحجه وجهاده واقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال ) ، ويفهم من كلام النووي هذا أنه يرجح كون ابن صياد هو الدجال وقال الشوكاني : ( اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافا شديدا ، وأشكل أمره، حتى قيل فيه كل قول ، وظاهر الحديث المذكور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مترددا في كونه الدجال أم لا ؟ ........ وقد أجيب على التردد منه بجوابين الأول : أنه تردد صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلمه الله بأنه هو الدجال ، فلما أعلمه لم ينكر على عمر حلفه
الثاني : أن العرب قد تخرج الكلام مخرج الشك ، وإن لم يكن في الخبر شك
ومما يدل على أنه هو الدجال ما روي عن ابن عمر بإسناد صحيح قال ( لقيت ابن صياد يوما – ومعه رجل من اليهود – فإذا عينه قد طفت وهي خارجة مثل عين الحمار، فلما رأيتها قلت : أنشدك الله يا ابن صياد ! متى طفت عينك ؟ قال: لا أدري والرحمن . قلت : كذبت وهي في رأسك . قال: فمسحها ونخر ثلاثا ) . ويظهر من كلام الشوكاني أنه مع القائلين بأن ابن صياد هو الدجال الأكبر
وقال البيهقي في سياق كلامه على حديث تميم ( فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد ، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجهم وقد خرج أكثرهم . وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم وإلا فالجمع بينهما بعيد جدا . إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه محتلم ، ويكون في آخرها شيخا كبيرا مسجونا في جزيرة من جزائر البحر ، موثقا بالحديد يستفهم عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم هل خرج أم لا ؟! فالأولى أن يحمل على عدم الإطلاع . وأما عمر فيحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع بقصة تميم، ثم لما سمعها ، لم يعد إلى الحلف المذكور) ويظهر أن البيهقي من القائلين بأن ابن صائد غير الدجال الأكبر . ولكن يرد على البيهقي بأن جابر ابن عبدالله من رواة حديث تميم كما في رواية أبي داود ، والذي جاء فيه .... قال أبي سلمة ( إن في هذا الحديث شيئا ما حفظته، قال : شهد جابر أنه هو ابن صائد . قلت فإنه قد مات . قال: وإن مات . قلت فإنه قد أسلم . قال: وإن أسلم . قلت : فإنه قد دخل المدينة . قال : وإن دخل المدينة ) فيتضح أن جابر مصر على أن ابن صياد هو الدجال وإن قيل أنه أسلم ودخل المدينة ومات وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن ( أمر ابن صياد أشكل على بعض الناس فظنوه الدجال ، وتوقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال وإنما هو من جنس الكهان أصحاب الأحوال الشيطانية ولذلك كان يذهب ليختبره ) وقال ابن كثير : ( والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعا لحديث تميم ، وهو فيصل في هذا المقام )