14-07-2007, 10:08 م
|
#1 |
| عضو مجتهد
تاريخ التسجيل: Apr 2007 البلد: غزة الصمود
المشاركات: 120
| الشيخ أحمد ياسين الرمز والثورة الشيخ أحمد ياسين.. الرمز والثورة عبقرية الألم والصمود والمقاومة د.سليمان صالح يمثل الشيخ أحمد ياسين نموذجا متفردا في تاريخ البشرية.. وهو نموذج لا يمكن أن تقدمه سوى حضارة متميزة.. حضارة ترتبط بالله سبحانه وتعالى، وتجعل هذا الارتباط في مرتبة تفوق كل ما تحويه الدنيا من ماديات، وما تحتاجه الأبدان وتهفو إليه من شهوات. الشيخ أحمد ياسين هو ابن شرعي للحضارة الإسلامية، وهو دليل وبرهان ساطع على أن هذه الحضارة ما زالت قادرة على قياده الشعوب المستضعفة للتحرر من كل أنواع العبودية.. لتكون العبودية على الأرض لله وحده.. وفى العبودية لله وحده أرفع صور السيادة والحرية وأجلّها وأجملها. فمن يدرك معنى عبوديته لله ويعيش هذا المعنى لا يخاف إلا الله وحده ولا يعبد إلا إياه وحده، ولا يطمع إلا فيما عند الله وحده.. ولا يدعو إلا الله وحده، ويدرك ويعي أن الله وحده هو الرزاق الضار النافع الناصر القاهر الجبار القوي العزيز، والكون كله بيده وما يريده الله بلا ريب كائن، وما لا يريده لم ولن يكون. وهنا يصبح العمل والسعي لتعمير الأرضà والجهاد في سبيل الله والأخذ بالأسباب مجرد عبادة لله، وتسبيحة دائمة ومستمرة لله، ونزول على أمر الله، وطلب للجزاء من الله، وقبل كل ذلك وبعده حب لله، وعشق إيجابي فاعل لذات الله.. هنا يتحول الحب إلى سعي في الأرض وإعمار لها، ويتحول العشق إلى رباط وجهاد، ويتحول السعي في الأرض والرباط والجهاد إلى صلاة، وتصبح الصلاة أداه لتحرر الإنسان، وإعلانا لعبوديته لله وحده. الدين والدنيا لله.. فليحصِ إذن المنهزمون عبيد الدنيا ما لدى الأعداء من دبابات وصواريخ وأساطيل وقنابل ذرية، ليملأ الهلع قلوبهم، وترتعد أطرافهم، وترتعش أبدانهم، وتنحصر أحلامهم في الجلوس على موائد المفاوضات، والحصول على ما يطلقون عليه بعض المكاسب.. ويهرولون للحاق بقطار التطبيع أملا في الحصول على بعض فتات مائدة إسرائيل الملوثة بدماء الأبرياء. ليحصِ المنهزمون إذن ما لدى الأعداء من أسلحة، وليستمروا في نضالهم في العوامات حتى تترهل منهم الأجساد، ويموتوا من التخمة غير مأسوف عليهم، فلن يحترمهم عدو، ولن يبكي عليهم أحد حتى أولئك الذين استفادوا من حياتهم، وامتصوا دماء الشعوب احتماء بنفوذهم؛ فهم متخمون مثلهم لا وقت لديهم حتى للبكاء على سادتهم. وإذا كان الشيخ أحمد ياسين هو بلا ريب ابن شرعي للحضارة الإسلامية؛ فإن الحضارة الإسلامية هي وحدها دون سواها التي تملك أن تقدم هذا النموذج. ومن حقها أن تفخر به وتعلن بكل قوة أنها الحضارة الوحيدة المؤهلة لمقاومة الطواغيت والطغاة والطغيان، وأن تقود كل المستضعفين على وجه الأرض -وتعدادهم يتزايد كل يوم- للتحرر من كل أشكال العبودية.. لتكون العبودية على الأرض لله الواحد الأحد.. إنها الحضارة الوحيدة القادرة على أن تعيد تقسيم ثروات الأرض بين كل الذين يعيشون عليها.. بين كل بني آدم؛ فيحصل كل إنسان على لقمة خبز ومكان على ظهر الأرض.. ليحصل كل إنسان على حقه في أن يحيا، ويعمل، ويعمر الأرض، ويشارك في إدارة المجتمع. وفوق ذلك حقه في أن يعبد الله. الشيخ أحمد ياسين يقدم الدليل على صحة هذا، هو نفسه بسيرة حياته برهان على هذه الحقيقة.. تعالوا معا نتأمل دلالات الأحداث، ونقف في بعض محطات الرحلة.. نستقرئ القليل من المعلومات، حتى لا تتوه منا الدروس والعبر إذا ما زادت المعلومات عن الحد الذي يصور لنا عبقرية الرحلة. لنبدأ إذن من البداية.. لكن شهادة ميلاد الشيخ قد لا تقدم لنا أكثر من تلك المعلومات المدونة في شهادات ميلادنا جميعا.. ولكن لو تأملنا بيانات تلك الشهادة بدقة لعثرنا على أول الخيوط إلى مساحة الضوء الواسعة في رحلة الشيخ ورحلتنا معه، ورحلة الأمة الإسلامية نحو النصر القادم بلا ريب.. أول الخيوط يبدأ من عام الميلاد.. ذلك العام الذي شهد مولد الطفل أحمد ياسين هو نفسه العام الذي شهد استشهاد الشيخ المجاهد عز الدين القسام، بعد أن قاد المقاومة لسنوات طويلة ضد عصابات الصهيونية التي جمعتها دول الاستعمار في فلسطين تنشر الإرهاب وتعيث في الأرض الفساد، وتملأ الأرض بدماء الأبرياء، وأشلاء الضحايا، وحطام الآدميين. قاد الشيخ عز الدين القسام المقاومة.. المقاومة تتحول إلى ثورة، اشتعلت، تأججت على أرض فلسطين.. وعندما عجزت قوات بريطانيا -تلك التي كانت يومئذ توصف بأنها عظمى- عن إخماد الثورة بكل أسلحة الدمار، وأدركت أن تلك الأسلحة تعجز عن مواجهة قوة وصلابة الإيمان لجأت إلى بعض حكام العرب ليصدروا بيانا ذليلا يدعو أهل فلسطين إلى التخلي عن ثورتهم العظيمة، وأن الصديقة بريطانيا قد قدمت لهم وعودا بتحقيق السلام، لم يكن مضمون هذا المصطلح قد اتضح في تلك الأيام، لكن المؤكد أن دلالاته كانت تختلف كثيرا مع ما أ صبح يحمله من دلالات في أيامنا هذه.. رغم ذلك أصر الشيخ عز الدين القسام على أن يواصل الرحلة، ويحمل راية الجهاد حتى النهاية الطبيعية الوحيدة المتاحة: النصر أو الشهادة.. واختار له الله الشهادة.. وسقط في الميدان يروي بدمه الطاهر شجرة الجهاد؛ لتضيء لكل المستضعفين على وجه الأرض طريق التحرر والتحرير. كانت أسرة الشيخ أحمد ياسين تعلق آمالها على الشيخ عز الدين القسام وثورته، ووسط أحزان الأسرة الطيبة على شهيد الأمة الشيخ القسام ولد الطفل أحمد. وذلك بلا شك هو الدرس الأول.. أن هذه الأمة ستظل تقدم شهداءها وأبطالها على مر التاريخ، إذا ما سقط شهيد حمل الراية شهيد آخر حتى يأذن الله بالنصر. هذه الأمة لن تموت، ولن تخرج من التاريخ رغم عنف الضربات وقسوة الهزائم. أمة الإسلام لن تخرج من التاريخ؛ فهي صاحبة شأن في التاريخ، وصاحبة وظيفة في التاريخ ولن يملك أحد ولن يستطيع أن يخرجها من التاريخ.. ستظل هذه الأمة تقدم الشهادة على البشرية.. والشهداء لتحرير البشر وإعلاء كلمة الله. الراية التي سقطت في الميدان سيحملها طفل ولد في العام نفسه في قرية لا تبعد كثيرا عن ميدان المعركة.. ولعل تلك الأسرة الطيبة لم تتنبه وقتها وسط أحزانها على الشيخ القسام إلى أن طفلها الجديد الجميل يحمل سمات متميزة لقائد جديد لرحلة الأمة للمقاومة المستمرة والصمود الأبي. في العام نفسه كان شيخ آخر يسعى في أرض مصر على قدميه من شمالها إلى جنوبها من شرقها إلى غربها، يغبر أقدامه في سبيل الله، ويقول كلاما جديدا: "الإسلام دين ودولة.. مصحف وسيف.. عبادة وقيادة..". وفى الجزائر أيضا كانت أفكار الشيخ عبد الحميد بن باديس تشعل نار الثورة تحت أقدام الفرنسيين. ويرتفع الشعار الجميل "الجزائر تعود لك يا محمد". وفى شبه الجزيرة الهندية كان المسلمون يواصلون مقاومتهم للمحتلين، ويغنون مع محمد إقبال: إذا الإيمان ضاع فلا أمان * * ولا دنيا لمن لم يحي دينا ومن رضي الحياة بغير دين * * فقد جعل الفناء لها قرينا لم تكن الأمة إذن في حالة ضياع كما يتوهم البعض؛ بل كانت تقدم شهداءها.. وتواصل مقاومتها، وتنتظر ضوء الفجر الذي لا بد أن تسبقه بالضرورة أشد ساعات الليل ظلمة. تلك بعض دلالات الزمان الذي ولد فيه الطفل أحمد ياسين، أما دلالات المكان فربما تكون أكثر وضوحا.. المكان هو قرية فلسطينية لا تبعد كثيرا عن مكان المعركة التي استشهد فيها عز الدين القسام.. وفى أطراف بيت المقدس تلك التي ترابط فيها جماعة من أمة محمد يظلون في رباط دائم ينتظرون نصر الله الآتي بلا ريب رغم كل قوى القهر.. ورغم أنف الاستكبار العالمي، ورغم أنف الطواغيت. في هذا المكان اتخذ أحمد ياسين قرارا شاركت فيه الأسرة كلها.. إننا سنعيش هنا؛ فهذه على أي حال قطعة من أرض فلسطين.. لن يستطيع أحد مهما كان أن يقتلعنا من هنا، سنظل مزروعين كأشجار الزيتون في الأرض.. لن تتكرر التجربة مرة أخرى العيش هنا، البيت هنا، والقبر هنا، وكسرة خبز مغموسة بالزعتر خير من أطايب الطعام على موائد الآخرين أو في أي مكان على ظهر الأرض. قررت الأسرة أن تعيش وأن تفتح دكانا تتكسب منه القوت، وفى الدكان وقف أحمد ياسين على أبواب مرحلة الشباب: قوي البنية، سليم الجسد، متوهج العقل، حاد الذكاء، رقيق المشاعر، عذب الحديث، وابن نكتة -كما يقول المصريون-، خفيف الظل، يجيد فن التعامل مع الناس، ويجيد فن القيادة، ويجيد فن صياغة الحلم.. حلم الناس البسطاء الطيبين بالعودة إلى الأرض والديار والبيارة، وحلم الأمة كلها بالنصر. فلسطين ليست ككل الأرض، إنها أرض ذات طبيعة خاصة تحتل مكانها في قلب الحضارة الإسلامية، تحتل مكانها في قلب تاريخ الأمة.. تحتل مكانها في قلب كل مسلم، وفى فترات سبقت من التاريخ قدمت الأمة الإسلامية آلاف الشهداء من أجل تحريرها.. وتوحدت يوما من أجل هذا التحرير.. والتجربة قابلة للتكرار.. بل لا سبيل سوى تكرار التجربة.. الأمة ستقدم يوما شهداءها وتدفع الثمن غاليا.. ولأنها فلسطين فلا بد أن يكون الثمن غاليا.. دماء الشهداء.. تلك فلسطين أيها السادة. أحب أحمد ياسين الناس فأحبوه منذ تلك الأيام المبكرة، وعاش بين الناس يحلم مثلهم بيوم العودة، ويصوغ أحلامهم في كلمات.. تدخل مباشرة إلى قلوب؛ لأنها صادرة من القلب مشبعة بالصدق كزهور برية مبللة بالندى. وعرف أحمد طريقه إلى المسجد.. المسجد بيت الله، فيه نعبد الله.. أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وهل هناك أجمل في حياة الإنسان من لحظة يقترب فيها من الله. لكن المسجد ليس فقط مكانا للعبادة، إنه أيضا وفى الوقت نفسه دار علم، ومدرسة، وجامعة. إنه أيضا دار شورى.. ومن المؤكد أن الرأي الذي يصدر عن الإنسان في هذا المكان لا بد أن يكون صادقا، وأن صاحبه يقصد به وجه الله، والنصيحة للأمة، ولخاصة المسلمين وعامتهم، المسجد برلمان ولكنه ليس كتلك البرلمانات التي تعرفها دول العالم.. برلمان متميز جدا، برلمان لأهل التقوى والإيمان والأمر شورى.. هنا تصاغ القرارات لصالح المجموع، وانطلاقا من إرادة الجماعة التي هي تعبير حقيقي عن إرادة الله. في المسجد جلس أحمد ياسين يتعلم ويعلم، وخيركم من تعلم العلم وعلمه.. ويقرأ القرآن ويتأمل.. آفاق جديدة تمتد أمام البصيرة لا يدركها البصر.. هل يمكن لأمة تمتلك هذا القرآن أن تكون مهزومة؟ إنها رسالة الله.. إنه الكتاب السماوي الوحيد الذي لم يستطع أحد أن يزيد عليه حرفا أو ينقص منه حرفا، إنها الرسالة السماوية الوحيدة الصحيحة في العالم.. ظلت وستظل كما جاءت من السماء. خريطة فلسطين تمتد أمام بصر أحمد ياسين.. وخريطة الدول المسلمة.. القرآن فوق قبة الأقصى.. الحروف تشع نورا وهدى، الكلمات ترسم طريق الحرية لكل البشر، العبارات تقيم مجتمعا جديدا أكثر عدلا، أكثر حبا. رغم كل هذا الألم العبقري تلفت أحمد ياسين حوله، فإذا الرأس ما زال سليما، والعقل ما زال متوهجا يحمل فكرا.. وقدرة على استقراء التاريخ والواقع، العقل متوقد الذكاء، والذاكرة قوية، وخلايا المخ سليمة تعمل بكل طاقتها، تختزن ما لا تستطيع كل أجهزة الكمبيوتر في العالم أن تختزنه من صور وأفكار ومعلومات، وقدرة على ترتيب النتائج على المقدمات، ومنطق سديد، ورأي رشيد، ومعرفة للحق، ورفض للباطل. سر أيها الشيخ على كرسيك المتحرك.. ولا تأبه للألم مهما كانت عبقريته. ومضى الشيخ يكسب رزقه بعرق الجبين من عمله في التدريس، لكن لا يبقى في جيبه مال.. كأن جيوبه محصنة ضد المال.. هناك من هم في حاجة إليه.. المال يوزع بمجرد الحصول عليه على الجيران.. وعلى الفقراء.. وتلك السيدة لم تناقش هذا الرجل الحساب يوما. وكبرت الأسرة.. وتزايد الأبناء: 3 أولاد، و8 بنات. ورغم قسوة الحياة، وشظف العيش يتم إعداد الأولاد ليكونوا مجاهدين، ويتم إعداد البنات ليصبحن زوجات للشهداء. رغم قسوة هزيمة 1967 ومرارتها ودخول الاحتلال إلى غزة ظل أحمد ياسين يمضي في طريقة يتعلم العلم ويعلمه، ويعد الأطفال والشباب للجهاد، ويقيم المؤسسات الخيرية لتكفل الأيتام والفقراء، ويصوغ نموذجا جديدا للعدالة الاجتماعية داخل المخيمات.. وتعلم تلاميذه الدرس، ووعوه جيدا، وحملوه في عقولهم وقلوبهم.. نحن جميعا شركاء في كسرة الخبز والزعتر، نحن شركاء في الطعام كما نحن شركاء في الأرض، وكما نحن شركاء في الحلم.. الحلم الأبي المقاوم. إنه الصمود العبقري.. صمود متفرد في الزمان والمكان.. صمود مبدع يستعيد كل ما اختزنه الوجدان الجمعي لشعب فلسطين من تاريخ الصمود عبر الأجيال، ويتمثله ويحافظ عليه كتراث خالد، ويضيف إليه، ويجدد فيه، ويبني نموذجا متكاملا للصمود الفعال.. إنه صمود عبقري. استمر الشيخ وتلاميذه في رحلة الصمود.. وما بناه في هذه الرحلة تفجَّر إبداعا عندما جاءت اللحظة التي كان لا بد أن يتحول فيها الصمود إلى مقاومة.. وكما كان الصمود عبقريا كانت المقاومة أيضا متفردة ومتميزة وشديدة الخصوصية.. ومتوهجة العبقرية. نوع جديد من المقاومة تشهده الدنيا لأول مرة.. ويرسم طريقا جديدا لكل المقهورين المضطهدين في العالم.. تعالوا لنتأمل دلالات المشهد الفريد الذي لم يشهده التاريخ من قبل. صعد الأطفال على أسطح المنازل، أمسك كل طفل مقلاعه -والمقلاع أداة متميزة جدا وبدائية جدا- وضع كل منهم حجرا صغيرا في المقلاع، وأطلقه على جيش الاحتلال المدجج بالسلاح. فوجئ جيش الاحتلال بهذه الظاهرة الجديدة الغريبة، وأصابه الرعب، الحجر يمكن أن يشج الرأس، أو يفقأ العين، والعمر ليس رخيصا إلى هذا الحد عند من يودون أن يعمروا ألف سنة. وبدأت وسائل الإعلام تعرض هذا المشهد الغريب الجديد الأخاذ.. هنا قصص إخبارية تثير خيال كل إعلامي يعرف متطلبات المهنة. لو استمرت وسائل الإعلام تنقل هذا المشهد بهذا الشكل؛ فإن كل أطفال الشعوب المقهورة يمكن أن يحملوا حجارتها، ويخرجوا إلى الشوارع، ويومها ستشتعل الأرض تحت أقدام الطغاة والمستبدين وقوى الاستكبار العالمي. "تعالوا نقتسم معا كسرة الخبز".. طبعا هذه هو النموذج الذي قدمه الشيخ أحمد ياسين للعدالة الاجتماعية.. حاصرت القوات الإسرائيلية الشعب الفلسطيني لتفرض عليه الجوع.. والجوع كافر، وأصوات الأطفال الجائعين سوف تفرض على هذا الشعب الرضوخ والاستسلام.. حسنا.. انطلق تلاميذ الشيخ يدورون على البيوت.. يسألون أهل كل بيت: هل تحتاجون شيئا؟ إن أجابوا "نعم" أعطوهم مما يحملون.. وإن أجابوا "لا".. سألوهم: هل تملكون شيئا تعطونه لنا نوزعه على إخوانكم؟ ونبرات الصدق في الأصوات مقنعة وحاسمة.. لا سبيل للتردد.. يعطون ويأخذون.. يعيدون توزيع ما يملكه الشعب على الشعب حتى لا يبيت على الطوى أحد، ويبيت أخوه وهو متخم.. وفى كل الشعوب لا يموت أحد من الجوع إلا ويموت في مقابله أحد من التخمة. هذه هي المعادلة.. وهى أيضا معادلة عالمية. دول الغرب ستموت إن شاء الله قريبا من التخمة والأنانية والجشع وحب الذات والقسوة والاستغلال.. وفى المقابل تموت الملايين جوعا في أفريقيا وآسيا. حسنا.. ذهب الشيخ إلى زنزانته، إنه خبير في التعايش مع الألم.. لم يعرف أحد في هذا العالم عبقرية الألم كما عرفها.. الألم في حالته هو له جوانب مضيئة، يزيد الأفكار نضجا وحيوية وصدقا، ويزيد النفس تقى وورعا وسموا، ويزيد القلب قربا من الله، ويزيد الإصرار على المضي في الطريق حتى يفوز بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.. والشهادة نصر.. سيمضي على الطريق آلاف من تلاميذه ممن علمهم فن الإيمان، وعبقرية الصمود والمقاومة، وحب الوطن، وعشق الحرية.. وسيحيلون حياة المحتلين إلى جحيم، ستنفجر أجسادهم في وجوه العصابة الصهيونية المجرمة، وستشتعل أرض فلسطين، بل أرض العرب كلها. حسنا.. مهما حاولت العصابة المجرمة.. ومهما ابتكرت من أساليب التعذيب؛ فإرادة الشيخ أقوى من كل ذلك.. إنه رمز المقاومة والتحدي والصلابة والجسارة والشجاعة والصبر والإصرار. الشعوب المستضعفة المقهورة تتطلع إليه في زنزانته.. تستلهم منه فن المقاومة، وطريق المستقبل. الزنزانة ضيقة رطبة سيئة التهوية، تجمعت بداخلها كل العوامل التي تؤدي إلى السأم والاكتئاب.. لكنها تتسع وتمتد باتساع العالم كله، لا أحد يستطيع أن يمنعه من عبادة الله ومناجاته.. ولا يستطيع أحد في هذا العالم أن يمنع الشعوب المستضعفة من التطلع إليه في زنزانته، واستلهام تجربته في كفاحها من أجل التحرير.. وهو في زنزانته تلك يعلم آلاف التلاميذ فن الكفاح، وأساليب المقاومة.. والتلاميذ سيعلمون تلاميذَ جددا.. حتى يخرج كل المستضعفين يوما بحجارتهم، وويل للمستكبرين الظالمين يومئذ من المستضعفين.. إنه طريق المستقبل. أما السجن فهو خلوة، يتعبد فيها الإنسان لله، ومكان جيد للتأمل وإنتاج الأفكار.. تتحول الزنزانة إلى مسجد.. الله أكبر.. الله وحده هو الذي يعبد في هذه الزنزانة رغم أنف العصابة الصهيونية المجرمة، ورغم أنف كل طغاة الأرض. لو علم المجرمون ذلك ما سجنوه. منعوا عنه الطعام والماء.. حسنا حاجات الجسد قليلة، تدرب الجسد لسنوات طويلة على تقليل احتياجاته إلى أدنى حد ممكن.. وتدربت النفس أيضا لسنوات طويلة على أن تتعالى على كل الشهوات والاحتياجات حتى الضروري منها. منعوا عنه الدواء.. حسنا الناس في بلادنا لا يحتاجون كثيرا للدواء.. لا يذهبون إلى الطبيب إلا إذا وصلت الأمور إلى حافة النهاية.. والأعمار بيد الله. ماذا يفعلون مع هذا الشيخ؟! إن وجوده حتى داخل الزنزانة يمثل خطرا كبيرا.. إنه رمز الحرية. وجوده داخل السجن يؤجج الانتفاضة، وتلاميذه يقومون بالواجب كما علمهم.. استوعبوا الدرس جيدا، ويطبقون نظرياته بمنتهى المهارة. الشيخ صحته تسوء.. وموته قد يكون أخطر من حياته.. وتلاميذه سيأخذون بثأره.. ولن تستطيع العصابة المجرمة أن تتحمل هذا الثأر.. خاصة أن تلاميذه قد اتجهوا إلى ابتكار وسائل جديدة للمقاومة والتحدي تناسب المراحل الجديدة.. تلاميذه كبروا الآن أصبحوا رجالا وقادة.. وربوا هم أيضا آلاف التلاميذ.. وتوزعت الأدوار: التلاميذ الجدد يقومون بدورهم في رمي الحجارة، وإثارة خيال الشعوب ببساطة المقاومة وعفويتها وصدقها.. أما الكبار فأصبحت لهم وظيفة أخرى يطلقون هم عليها "العمليات الاستشهادية".. أما وسائل الإعلام الموالية للعصابات الصهيونية فأطلقت عليها "العمليات الانتحارية". وهذه العمليات تقوم على استخدام الإنسان بإرادته الحرة لجسده في المقاومة، وتحويل هذا الجسد إلى سلاح.. حزام يلتف حول الجسد بإحكام يحمل عددا من القنابل.. وبعد أن يقوم الشاب بكتابة الوصية، وأداء الصلاة والدعاء ومناجاة الله يفجر القنابل في حزامه.. فيتطاير الجسد شظايا.. ويحصد الكثير من أرواح العصابة الصهيونية المجرمة.. هؤلاء يريدون الموت.. كيف تمكن مواجهة شخص يريد الموت؟! يقولون: إن الجسد من تراب، وسيعود إلى التراب بأي صورة.. أما الروح فستصعد إلى بارئها.. تدور حول عرش الرحمن.. حتى يأتي يوم القيامة فيحصل الشهيد على قدر كبير من التكريم لا يعلمه إلا الله. هذا منطق لا يمكن مواجهته.. إنه أخطر سلاح يمكن تصوره.. وإذا ما انتشرت الفكرة، وتبنتها الأمة الإسلامية كلها.. فإن آلاف بل ملايين الرجال سوف يرغبون بصدق في هذه الميتة الكريمة.. والحصول على الشهادة.. والفوز بالجنة، وعندئذ لن يكون أمام العصابة الصهيونية المجرمة سوى الفرار هاربة من فلسطين، ولن يكون أمام قوى الاستعمار الغربي الذي يدعم هذه العصابات الصهيونية المجرمة سوى الرضوخ لإرادة أمة تريد الشهادة.. إن الحرص على الموت هو السبيل الوحيد لحماية الحياة والتمتع بحق الحياة.. ولكي تصبح الحياة كريمة عزيزة. سجن الشيخ إذن لا يمكن أن يكون حلا.. وموته سيكون بداية لسلسلة من أعمال الثأر التي لن تطيقها العصابة الصهيونية.. وهو على أي حال رمز للحرية، والرموز لا تموت. وإذا مات الشيخ في السجن فستشتعل أرض فلسطين. وإذن فالحل هو إبعاد الشيخ إلى أي دولة ليعيش حياة هادئة.. لكن الشيخ يعلن بكل إصرار: سأموت هنا.. لن أخرج من فلسطين.. السجن أحب إلي مما يدعونني إليه.. الحياة هنا في فلسطين، العيش في زنزانة على أرض فلسطين أطيب من حياة القصور خارجها.. لن أخرج.. قالها الشيخ بكل عزيمة الرجال، وثبات الجبال. لن أخرج.. لن أغادر فلسطين.. لن أعيش في مكان آخر.. ذلك عهدي مع الله ومع شعبي. لكن إخراج الشيخ من السجن أصبح ضرورة لعصابة الصهاينة خوفا من أن يموت داخل السجن. وأصبح إخراج الشيخ ضرورة كبرى عندما أراد الله أن يذل عصابة الصهاينة، ويحبط جريمتهم الغادرة التي حاولوا فيها اغتيال أحد تلاميذ الشيخ.. وسجل العصابة الصهيونية حافل بعمليات الاغتيال.. لقد نجحوا من قبل في اغتيال عدد من أهم تلاميذ الشيخ أحمد ياسين مثل عماد عقل ويحيى عياش.. لكن الله أراد أن يذل "النتنياهو" زعيم العصابة الصهيونية ذلك المتكبر المتجبر المغرور.. ذلك الذي تجمعت في وجهه كل سمات المجرمين عبر التاريخ.. على وجهه تجمعت كل جرائم البشرية.. إنه تمثال مجسم للجريمة والشر.. وهو بالتأكيد خبير في عمليات الاغتيال وكل العمليات القذرة. لكن أراد الله أن ينقذ خالد مشعل، وأن يذل "النتنياهو" وعصابة المجرمين الصهاينة.. ولم يكن هناك بد من التغطية على فشل هذه العملية، وانقاد المجرمون الذين حاولوا تنفيذها.. فأخرجت عصابة الصهاينة الشيخ أحمد ياسين من سجنه.. أصر الشيخ على أن لا يخرج إلا بعد الحصول على تعهد بأنه سيعود إلى غزة.. وعاد الشيخ وخرجت غزة.. لأول مرة تفرح غزة منذ زمن طويل.. لأول مرة ترى ابتسامة غزة منذ زمن طويل.. وخرج تلاميذ الشيخ يستقبلونه.. يجددون معه العهد على الجهاد لتحرير فلسطين.. تلك هي بعض ملامح القصة.. وبعض مرتكزاتها.. والسؤال هو: ألا تصلح هذه القصة لكي تتحول إلى فيلم سينمائي على غرار فيلم عمر المختار؟ من المؤكد أنها يمكن أن تتحول إلى فيلم يساهم فى تشكيل ثقافة المقاومة لعصر الهزيمة العربية الذي نعيشه.. ويعيد إلى النفس العربية قدرا من الفخر والاعتزاز.. فمن المؤكد أن حضارة تقدم هذا الشيخ هي حضارة عظيمة، بل إنها الحضارة الوحيدة القادرة على صنع مستقبل جديد للبشرية، إنها الحضارة الوحيدة التي يمكن أن تعيد للمقهورين حقهم فى الحياة والحرية. وما فائدة السينما أصلا إذا لم تعبر عن كفاح الأمة، وأن تقدم للعالم رموزها الحضارية؟ لقد كان فيلم عمر المختار يمثل علامة مضيئة فى تاريخ السينما.. وهو عمل استطاع أن يقدم للأمة واحدا من رموزها التاريخية التي تثير الفخر فى زمن الهزيمة.. وفيلم على هذا المستوى عن الشيخ أحمد ياسين هو بالتأكيد تجربة نضالية وفنية متميزة، وعمل تحتاج إليه الأمة.. وكم من أموال تنفق على أعمال رديئة وتافهة!! إلى متى تظل السينما العربية منفصلة عن واقع الأمة وكفاحها؟! إلى متى تظل تدور فى إطار قصص الحب الرديئة والمعادة والمكررة والمملة؟! إلى متى تظل السينما العربية أسيرة للتغريب، وغريبة عن واقع الأمة، وتزيف التاريخ خدمة للغرب مثل: "المصير" و"وداعا بونابرت" وغيرها من أفلام تصنع لمصلحة الغرب ولا تصنع لصالح الأمة؟ إذا كانت صناعة السينما العربية ستظل تسير على نهجها السابق؛ فإنها ستصبح صناعة بلا مستقبل؛ فمن يبحث عن المتع الرخيصة فإن هوليود قادرة على أن تقدم له كل ألوان هذه المتع، ولا يمكن منافستها فى ذلك. وتصبح السينما العربية بكل ما قدمته -فيما عدا استثناءات قليلة- سينما بلا قضية، ولا هدف، ومنفصلة عن واقع الأمة.. سينما غربية مغتربة وغريبة. سينما مسطحة وتافهة.. ومن الناحية التجارية البحتة فإن فيلما عن الشيخ أحمد ياسين تتوافر له كل عوامل النجاح التجاري.. هذا إذا أخذنا الأمر بمنطق التجارة مع أنني أرفض هذا المنطق. وأعتقد أنه منطق أبله وساذج، ويتناقض مع وظيفة السينما ودورها، ويتناقض مع آمال الأمة وأحلامها.. ومع ذلك فإنه بهذا المنطق أيضا فإن قصة الشيخ أحمد ياسين يمكن أن تكون فيلما ناجحا جدا من الناحية التجارية لن يقل نجاحه عن فيلم "عمر المختار". كما أن القصة يمكن أن تتحول أيضا إلى مسلسل تلفزيوني، والأمة كلها فى أشد الحاجة إليه فى هذه الفترة من تاريخها، وهو أيضا مسلسل تتوافر له كل عوامل النجاح.. فهل يمكن أن تستجيب إحدى شركات الإنتاج السينمائي، أو التلفزيوني العربية، وتقوم بإنتاج هذا الفيلم وهذا المسلسل؟ وإذا لم تستجب إحدى هذه الشركات.. فألا يوجد في هذه الأمة أغنياء ينفقون أموالهم فى سبيل الله والوطن يقومون بإنشاء شركة للإنتاج السينمائي والتلفزيوني تبدأ عملها بإنتاج هذين العملين! | | |
| |