أعد العدو عدته، وأخذ أهيته، ووتر سهمه في كبد قوسه ثم أطلقه فأصاب الهدف ،وما هي إلا لحظات حتى سرى السم إلى الجوارح ،فصارت جوارح اللسان تكلم ،والقدم سعت، والجسد انتفض ،ودارت العجلة.
يا ساهيا في صلاته...جسمك في مصر، وقلبك هائم في كل مصر، صورة بلا روح... جسد بلا حياة... عربي النطق أعجمي الفهم ،مثلك مثل من طلب منه الملك جوهرة ثمينة لقاء قربه وجعله في الحاشية فاشترى حفنة تراب ووضعها في سلة قش وقدمها فلما رآها الملك غضب وكان الطرد والإبعاد بديل القرب والإسعاد.
إذا أجدبت الأرض ،وجف الضرع ،وانقطع الماء عن الزرع، مد الزرع يد الطلب يستعطي ،وأمال الرأس خاضعا، وخلع ثوب الأوراق شاكيا طالبا من الله حرارة الشمس، وبرودة الماء، ولطف الهواء، واحتضان التربة، مناديا إياك بلسان حاله "بي مثل ما بك ولم أقبل على غيره وعلتنا متشابهة ولم ألجأ إلى سواه خالقنا واحد ولم أطرق باب فقير مثلي فتعلم مني ".
سل المجاهدون خنجر الخوف، فذبحوا به، كبش الكسل، ففزع النوم وطار، ودوي في أسماعهم صوت الحق (هل من داع) فلبوا النداء، واستنشقت أنوفهم عبير الجنة، حملته رياح الأسحار، فاشتد الشوق، وقوي العزم، ونصبت الأقدام، وهطلت الدموع إلى أن انتهى زمن الزيارة وحان وقت الفراق وآذن الأنس بالرحيل..طلع الفجر.