لقد اعتاد أهالي غزة طيلة سنوات الاحتلال على كل أنواع الحصار المفروض عليهم لدرجة أنهم أصبحوا يألفونه وكأنه هو الطبيعي وما عداه هو الاستثناء، لكن السؤال المطروح في هذا المجال هو إلى متى سيبقى هذا الحال؟ ومن المسئول عنه في الحقيقة ؟ومن هي الجهات التي من الممكن أن تساهم في حله؟ كل هذه الأسئلة ستبقى مطروحة وستبقى على الطاولة إلى حين الفرج القادم من عند الله.
بداية الحصار له هدف واحد وهو محاصرة حماس وحكومة حماس وكل الذين يشاركون فيه، لا أستطيع أن أجد لهم سبباً واحداً حقيقياً غير ذلك، ولكن هل يعقل أن يعتمد الحصار وسيلة لإسقاط حماس طالما أن الذي يعاني من الحصار هم أبناء الشعب! وما معنى ألا يجد الطالب أو المريض أو الشيخ أو المرأة أو العامل وسيلة نقل تقله إلى المكان الذي يريد! سوى أن هؤلاء يدفعون ثمن عدم تصديهم لحماس ولحكومة حماس،وثمن انتخابات كانت سبباً في مجيء حماس للحكم.
إن الجهات المحاصرة عديدة ولكن أسباب الحصار متعددة، فالعدو الصهيوني وهو الفاعل المباشر والأول للحصار – إنما يلبي رغبة عنده في الانتقام من الشعب الفلسطيني بمجمله- بحماس وبدون حماس وهو الذي لا يألو جهداً في تعذيب هذا الشعب بكل مكوناته ليضيق عليه حياته ويجعله يندم على كل لحظة انتسب فيها لفلسطين وللأقصى بالرغم من كل تجاربه الفاشلة في ذلك وعلمه اليقيني بأن هذا الشعب ترسخت فيه مبادئ الثبات والصمود والتحدي لدرجة أفقدته صوابه وبدأ قادته يتخبطون في إدارة الأزمة مع الشعب الفلسطيني ويعبرون عن أحقادهم تارة بالأباتشي وتارة ب F-16 واستخدموا كل المحرمات الدولية في قتل المدنيين ولم يتورعوا من ذبح الأطفال وعلى مرأى ومسمع كل الفضائيات في مؤشر واضح لعدم اكتراثهم بردود الفعل العالمية ونداءات المؤسسات والمنظمات الدولية والتي كان آخرها تصريح المسئول الأممي جون غينج الذي ذكر بأن أسوأ سجن في العالم هو أحسن حالاً من قطاع غزة.
العجيب في الأمر أن هذا العدو والمستفيد الأول من الحالة الفلسطينية البائسة يجد في أشد أوقات الحصار سوءاًُ من يجلس معه ويتبادل معه الابتسامات العريضة من الفلسطينيين أنفسهم بما يجعله يشعر في قرارة نفسه أن هناك من الفلسطينيين من يفهم مبررات هذا العدو في قتله وتعذيبه وتشريده للفلسطينيين وخاصة أن هذا الأمر يتم في غزة والضفة سواء بسواء.
إن فلسفة الحوار التي يدعيها بعض أبناء الجلدة بأن الإنسان يتحاور مع عدوه لإيجاد السلام هي فلسفة حقيقية وواقعية ولكن الغير واقعي عندما يكون الحوار حوار طرشان، يكون حواراً لا توضع فيه الأولويات في المقدمة، فلو صدقت نوايا المحاورين الفلسطينيين لكانت أولوية فك الحصار ورفع الظلم عن الفلسطينيين عامة وغزة خاصة هي أولى أولويات الحوار ولكانت وجوه المحاورين يبدو عليها الجدية وليس وجوه من يرحب بصديق أو يلتقي بحبيب! إن ما ألفناه من صور اللقاءات الحميمية لا تعكس أن وراء هذه اللقاءات حزم في مواضيع تهم الشعب أولاً، وإلا ما معنى أن تكون اللقاءات دون أي نتيجة فلا الحصار يرفع ولا الحواجز تزال ولا المعابر تفتح! إذن فعلى ماذا يتحاورون؟ هل يتحاورون على حدود الدولة أم على العاصمة القادمة!!! فمع كل الاحترام لكل ذلك لكنه ليس له معنى إذا كان الأقرب من ذلك ليس قريب المنال وإذا كان العدو يقود حرب إبادة للشعب الفلسطيني وعلى أسوأ الأحوال لابد أن يكون هناك خطان متوازيان للحوار أحدهما يقود الأهداف الإستراتيجية والآخر الأهداف المرحلية، وبالرغم من يقيني أن أهمية ذلك لا تغيب عن بال المحاورين الفلسطينيين ولكنني أخشى أن يكونوا هم الآخرون يتلذذون بعذابات الشعب في شقي الوطن في الشمال من أجل الانتقام من المقاومة التي تفسد عليهم لقاءاتهم الحميمة، وفي الجنوب من أجل الانتقام من الشعب الذي لا يثور على الحكومة.
أما المشاركون الآخرون في الحصار من عرب وعجم فلكل أهدافه ومسبباته، فآخرون يخشون من نجاح تجربة حماس وآخرون يرون في حماس امتداداً لتنظيمات في بلدانهم سيدفع نجاح حماس لتفوقها وزيادة تأثيرها، كل هذا معروف وليس جديداً، ولكن ألا يستحي هؤلاء جميعاً من أن لا يرحمهم التاريخ ؟ ألا يخشى كل أولئك من موقفهم أمام الله وهم المسئولون الذين سيحاسبون على كل ذلك .
إن الظلم الواقع على الفلسطينيين اليوم والذي بدت معالمه أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فانعدم الوقود... وشح طعام الأطفال..... والأسواق التي بدت فارغة، وازدياد وفيات المرضى الذين يجب أن يتحولوا للخارج.... كل ذلك يدل دلالة واضحة على مدى الاستهتار الدولي والصهيوني بل والعربي والفلسطيني السلطوي بالشعب والقضية، وأنه لا يمكن أن يكون هناك مصداقية للقيادة الفلسطينية في الحوار حتى ولو أوجدت ما يبرره إلا بعدما تكون أولى مراحله فك الحصار عن الشعب الفلسطيني وغزة بالذات، ورؤية آثار ذلك على أرض الواقع.
